الشيخ السبحاني

60

مفاهيم القرآن

وكأنّ المعنى في قوله : « وبلدة ليس بها أنيس » على تمام الكلام ، واستيفاء معناه ، وقوله : « إلّا اليعافير » كلام مبتدأ معناه لكن اليعافير والعيس فيها ، وهذا بيّن لا يخفى فيه الكلام على أحد ، ممن عرف طرفاً من اللسان ، والأمر فيه عند أهل اللغة أشهر من أن يحتاج معه إلى استشهاده . « 1 » والحق في المقام أن يقال : إنّ تقسيم الاستثناء إلى المتصل والمنقطع ليس على ما اشتهر ، من أنّ المستثنى المنقطع غير داخل في المستثنى منه لا موضوعاً ولاحكماً ، لا حقيقة ولا ادّعاء ، إذ لو لم يكن المستثنى داخلًا بنحو من الأنحاء في المستثنى منه كان استثناؤه عنه لغواً غير صالح لأن يذكر في كلام العقلاء ، فالمستثنى حتى المنقطع داخل في المستثنى منه دخولًا ادّعائياً لا حقيقياً ، إذ ليس الاستثناء إلّا إخراج ما لولاه لدخل ، ومعلوم انّ الإخراج فرع الدخول بالضرورة غاية الأمر انّ المستثنى منه بمفهومه اللغوي شامل للمستثنى كما في قولنا جاءني القوم إلّا زيد ، بخلاف الاستثناء المنقطع ، فالمستثنى منه وإن كان غير شامل للمستثنى بمفهومه اللغوي ، لكن المخاطب ربّما يتوهم شمول الحكم المذكور للمستثنى منه ، للمستثنى أيضاً ، فيعود المتكلم إلى استدراك ذلك الوهم بعدم شموله للمستثنى ، مثلًا إذا قلنا : جاء زيد إلّا خادمه ، وجاء القوم إلّا مراكبهم ، فالاستثناء لأجل دفع توهم ، وهو انّ مجيء زيد والقوم كان مع خادمه ومراكبهم ولولا هذا التوهم لما صح الاستثناء ، ولأجل ذلك قلنا بأنّ المستثنى في الاستثناء المنقطع داخل في المستثنى منه ادّعاء لا حقيقة ، ولولا توهم الدخول لا يصح الاستثناء ، فلا يصح أن يقال جاءني القوم إلّا الغراب أو إلّا الشجر ، إذ ليس مجيئ الغراب والشجر معرضاً للتوهم . وبذلك يظهر أنّ مصحح الاستثناء هو دخول المستثنى في المستثنى منه

--> ( 1 ) شرح عقائد الصدوق : 68 .